حرب السودان: أسبابها و تداعياتها
تشهد السودان منذ منتصف أبريل 2023 مواجهات عسكرية بين الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان و قوات الدعم السريع بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو، المعروف بـ”حميدتي”. وتعد هذه المواجهات استمرارا للصراع السياسي والمصالحي الذي اندلع بعد انقلاب عام 2021، الذي أطاح بالرئيس عمر البشير وأفضى إلى تشكيل مجلس عسكري انتقالي، ثم حكومة انتقالية برئاسة عبدالله حمدوك. وتأتي هذه الحرب في ظل أزمات اقتصادية وإنسانية خانقة تعصف بالبلاد، وتهديدات دولية وإقليمية للتدخل في شؤونها.
أسباب الحرب
لا يمكن تحديد سبب واحد لاندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل هو نتاج لتراكم عدة عوامل داخلية وخارجية، منها:
- الصراع على السلطة: يتنافس كلا من البرهان وحميدتي على قيادة المجلس العسكري، والذي يمثل أعلى هيئة تنفيذية في البلاد. كان حميدتي نائب رئيس المجلس في بادئ الأمر، لكنه تم إقصاؤه من قبل البرهان في نوفمبر 2021، بعد اتهامه بالتخطيط لانقلاب ضده. وقد حاول حميدتي استعادة موقعه من خلال التحالف مع بعض الأحزاب السياسية والجماعات المسلحة، والضغط على حكومة حمدوك لإجراء إصلاحات دستورية تضمن له دورا في المرحلة الانتقالية.
- الصراع على المصالح: يتصارع كلا من البرهان وحميدتي أيضا على المصالح المادية والأمنية، التي تشكل مصدر قوة وثروة لكل منهما. فقوات الدعم السريع هي تطور لجانجويد، التي شاركت في قمع التمرد في دارفور، وحصلت على امتيازات كبيرة من نظام البشير.
-
الصراع على الشرعية
: يدعي كلا من البرهان وحميدتي أنهما يمثلان الشعب السوداني ومطالبه، وأنهما يحاربان من أجل الديمقراطية والسلام. وقد حاول كل منهما تبرير عملياته العسكرية بأنها رد على انتهاكات أو مؤامرات من الطرف الآخر. وقد استخدم كل منهما وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي لنشر روايته وتحشيد التأييد له.
تداعيات الحرب
تخلف الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع آثارا سلبية على مختلف المستويات، منها:
- التأثير على المدنيين: تسببت الحرب في مقتل وجرح المئات من المدنيين، وتشريد الآلاف من منازلهم، وانقطاع الماء والكهرباء والاتصالات عن ملايين السكان. كما تعرضت المستشفيات والمدارس والمساجد للقصف والنهب، وانتشرت حالات الاغتصاب والخطف والإعدام. وحذرت الأمم المتحدة من تدهور الوضع الإنساني في السودان، وطالبت بوقف فوري لإطلاق النار12.
- التأثير على الاقتصاد: أثرت الحرب سلبا على الاقتصاد السوداني، الذي يعاني من أزمة حادة منذ سنوات. فارتفعت أسعار السلع والوقود والصرف، وانخفضت قيمة الجنيه، وشلت حركة التجارة والنقل، وانهارت المؤسسات المالية. كما تضرر قطاعات حيوية مثل الزراعة والسياحة، وزاد معدل الفقر والبطالة. وجدد اندلاع الحرب المخاوف من انزلاق الاقتصاد السوداني نحو الانهيار.
- التأثير على المنطقة: تلقي الحرب بظلالها على دول المنطقة، التي تتشارك مع السودان في الحدود أو المصالح أو التحديات. فمصر تخشى من تأثير الحرب على اقتصادها وأمنها ومفاوضاتها بشأن سد النهضة، وإثيوبيا تقلق من تدخل السودان في نزاعها مع إقليم تيغراي، وجنوب السودان يتأثر بتدفق اللاجئين وانخفاض إنتاجه النفطي، والساحل يواجه خطر انتشار المتمردين والجماعات المتطرفة. كما تتابع القوى الدولية مجريات الحرب بقلق، وتطرح مبادرات للتهدئة والحوار123.

- التأثير على المجتمع: تفتت الحرب النسيج الاجتماعي في السودان، وأثارت التوترات والصراعات بين مختلف القوميات والمذاهب والطوائف. فشهدت بعض المناطق اشتباكات طائفية أو عرقية بين مجموعات مسلحة، مثل الهوسا والفونج في النيل الأزرق1، أو الرزيقات والمعاليا في شرق دارفور. كما تعرضت بعض الأقليات للاضطهاد أو التمييز، مثل المسيحيين أو الشيعة أو النوبة. وانخفض مستوى التعليم والصحة والثقافة في المجتمع، وانتشرت ظواهر سلبية مثل الجهل والفساد والجريمة.
- سبل حل الحرب: توجد عدة سيناريوهات محتملة لإنهاء الحرب في السودان، منها:
- حل دبلوماسي: يعتمد هذا السيناريو على التوسط الدولي أو الإقليمي لإقناع طرفي الصراع بالجلوس إلى طاولة الحوار والتفاوض على حل سياسي يضمن تقاسم السلطة والثروة والأمن بينهما. وقد تقدمت بعض الدول والمنظمات بمبادرات بهذا الشأن، مثل مصر وإثيوبيا والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة12. لكن هذا السيناريو يواجه صعوبات كبيرة، بسبب عدم وجود ثقة أو تنازلات بين الطرفين، وتدخل بعض الأطراف الخارجية التي تسعى لتحقيق مصالحها في السودان.
- حل عسكري: يعتمد هذا السيناريو على استمرار المعارك حتى يحقق أحد الطرفين انتصارا حاسما على الآخر، أو يجبره على الاستسلام أو التفاوض من موقع الضعف. وقد يؤدي هذا السيناريو إلى حسم الموقف في فترة قصيرة، لكنه قد يكلف الكثير من الأرواح والخسائر، وقد يزيد من التشظي والانقسام في المجتمع، وقد يؤدي إلى انتقامات أو اضطهادات أو انتهاكات لحقوق الإنسان.
- حل شعبي: يعتمد هذا السيناريو على تحرك المجتمع المدني والشعب السوداني للضغط على طرفي الصراع لإيقاف الحرب والعودة إلى المسار الديمقراطي. وقد يستخدم هذا التحرك وسائل سلمية مثل التظاهرات أو الإضرابات أو المقاطعات، أو وسائل عنيفة مثل التمرد أو الميليشيات أو التخريب. وقد يؤدي هذا السيناريو إلى تغيير موازين القوى في المشهد السوداني، وإجبار طرفي الصراع على التنحي أو التعاون مع قوى جديدة.
-
خاتمة
إن حرب السودان هي حرب مأساوية تهدد مستقبل السودان والمنطقة، وتحتاج إلى حل عاجل وشامل يضع حدا للعنف ويحقق العدالة والمصالحة. ويجب أن يشارك في هذا الحل كل الأطراف السودانية، بما فيها القوى السياسية والمجتمع المدني والشعب السوداني، بدعم من المجتمع الدولي والإقليمي. ويجب أن يستند هذا الحل إلى احترام حقوق الإنسان والقانون الدولي، والتزام بالاتفاقات الموقعة سابقا، والتوافق على رؤية مشتركة للديمقراطية والتنمية في السودان.

التعليقات